الشيخ محمد النهاوندي

557

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

للحرب العوان « 1 » . واعلم أنا قاتلوك وقاتلوا أصحابك ، والموعد فيما بيننا وبينك غدا [ ضحوه ] ، وقد أعذرنا فيما بيننا وبينك . فقال علي عليه السّلام : ويلكم تهدّدوني بكثرتكم وجمعكم ، فأنا استعين باللّه وبملائكته والمسلمين عليكم ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم ، فانصرفوا إلى مراكزهم ، وانصرف عليّ إلى مركزه . فلمّا جنّه الليل أمر أصحابه أن يحسنوا « 2 » إلى دوابّهم ويقضموا « 3 » ويسرجوا ، فلمّا انشقّ عمود الصبح صلّى بالناس بغلس ، ثمّ غار عليهم بأصحابه ، ولم يعلموا حتى وطئتهم الخيل ، فما أدرك آخر أصحابه حتّى قتل مقاتليهم ، وسبى ذراريهم ، واستباح أموالهم ، وخرّب ديارهم ، وأقبل بالأسارى والأموال معه . فنزل جبرئيل واخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بما فتح اللّه على علي عليه السّلام وجماعة المسلمين ، فصعد رسول اللّه المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، اخبر الناس بما فتح اللّه على المسلمين ، وأعلمهم أنّه لم يصب منهم إلّا رجلين ونزل ، فخرج يستقبل عليا عليه السّلام في جميع أهل المدينة من المسلمين حتّى لقيه على ثلاثة أميال من المدينة ، فلمّا رآه علي عليه السّلام مقبلا نزل عن دابّته ، ونزل النبي صلّى اللّه عليه وآله حتّى التزمه وقبّل ما بين عينيه ، فنزل جماعة المسلمين إلى حيث نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأقبل بالغنيمة والأسارى وما رزقهم اللّه من أهل وادي اليابس » . ثمّ قال الصادق عليه السّلام : « ما اغتم المسلمون مثلها قطّ ، إلا أن يكون من خيبر ، فانّها مثل خيبر ، وأنزل اللّه في ذلك اليوم هذه السورة وَالْعادِياتِ ضَبْحاً يعني بالعاديات ، الخيل تعدو بالرجال ، والضبح : ضبحها في أعنّتها ولجمها فَالْمُورِياتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فقد أخبرك أنّها غارت عليهم صبحا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً قال : يعني الخيل يأثرن بالوادي [ نقعا ] فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً . . . » الخبر « 4 » . وروى بعض العامة عن علي عليه السّلام وابن مسعود ، أن المراد بالعاديات الإبل « 5 » . ورووا عن ابن عباس أنّه قال : بينا أنا أجالس في الحجر إذ أتاني رجل فسألني عن الْعادِياتِ ضَبْحاً ففسّرتها بالخيل ، فذهب إلى علي عليه السّلام وهو تحت سقاية زمزم ، فسأله وذكر له ما قلت ، فقال : « ادعه لي » فلمّا وقفت على رأسه قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ! واللّه إن كانت لأوّل غزوة في الاسلام بدر ، وما كان معنا إلّا فرسان : فرس للزبير ، وفرس للمقداد وَالْعادِياتِ ضَبْحاً الإبل من

--> ( 1 ) . وهي الحرب التي قوتل فيها مرّة بعد أخرى كأنهم جعلوا الأولى بكرا ، والحرب العوان ، هي أشدّ الحروب . ( 2 ) . في النسخة : يجيئوا . ( 3 ) . أقضم القوم : امتاروا شيئا قليلا في القحط ، وأقضم الدابة : علفها القضم ، وهو نبت من الحمض . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 134 ، تفسير الصافي 5 : 361 . ( 5 ) . تفسير الرازي 32 : 63 .